ترجمات استراتيجية مختارة

ترجمات مقالات , أبحاث , تاريخية و عسكرية و استراتيجية .

تقرير تحليلى : الأسس القانونية لتأسيس الدولة الإسلامية و كيف صنعت الدولة الإسلامية دولة قانون ! - الجزء الثانى .




لطالما تم إعتبار "التأسيس القانوني" طور حاسم في تدعيم أركان الدول الحديثة لاسيما في أوروبا ,حيث قام "ماكس فيبر Max Weber" بتتبع منشأ البيروقراطيات الصناعية وصولا لعملية تأسيس "بيروقراطية قانونية عقلانية" يتم فيها تدريجيا إستبدال مؤسسات إدارية غير مشخصنة ومبادئ تشريعية متجردة بالنماذج التقليدية في الحكم المبنية أساسا على الولاء الشخصي.

بالنسبة للمطلعين على تاريخ التأسيس البيروقراطي في أوروبا لا ينبغي أن يكون مفاجئا لهم أن القانون يلعب دورا مشابها في تدعيم وتمدد الدولة الإسلامية.

أقوم فيما هو آت بعرض ملخص لعديد من الطرق التي تستعملها الدولة الإسلامية, كأي دولة أخرى,لإحكام سيطرتها على المواطنين والأرض عن طريق إستخدام القانون.

-إضفاء الشرعية على العنف:

أحد المعايير الأساسية للدولة هو قدرتها على إدعاء الإحتكار المطلق للعنف الشرعي المبرر قانونا.وتبدو الجماعات الإسلامية الثائرة بما فيها جماعة الدولة أكثر نجاحا في كسب التأييد الشعبي عندما تقوم بإعطاء أساسا شرعيا لإستخدام القوة برسم إطار قانوني مبني على قواعد وإجرائات تتسم بالوضوح والشفافية, على النقيض مما يحدث عندما تستخدم هذه الجماعات القوة على نحو عشوائي.

ويتفق هذا الزعم مع دراسة ترجح أنه عندما تلجأ الجماعات المتمردة للعنف العشوائي الغير محكوم بقوانين محددة فإن المواطنين يتحولون ضدها. كما رجح "جيسون ليال Jason Lyall " أن "العنف العشوائي من الممكن أن يقوض النجاعة العسكرية لجماعة ثائرة عبرالوقيعة بين المواطنين والمسلحين".

الأثر التنفيري للعنف العشوائي تم إختباره في حالتي الجزائر في التسعينات والعراق فيما بعد الـ 2001, حيث أثار الإستهداف العشوائي للمدنيين رد فعل عكسي عنيف.

فيما بعد قام قادة تنظيم القاعدة بالإشارة إلى هذه التجارب الغير ناجحة كدروس تحذيرية من العواقب العكسية للعنف الغير مقيد. على سبيل المثال عندما قتل زعيم تنظيم القاعدة السابق في العراق "أبو مصعب الزرقاوي" وجدت المخابرات الأمريكية في حوزته رسالة من أحد مسؤالي تنظيم القاعدة في الجزائر يحثه فيها على تجنب تكرار أخطاء جماعته في الجزائر:
"في الجزائر بين عامي 1994 و 1995 حين كانت الجماعة الإسلامية المسلحة على وشك إستلام الحكم...... قاموا بتدمير أنفسهم بأيديهم بإفتقادهم العقلانية, و التوهم و تجاهل الناس و إغترابهم عنهم عن طريق القمع والإنحراف والشدة إلى جانب فقدانهم العطف والتعاطف والود".
بالمثل قال عضو في فرع تنظيم القاعدة باليمن "أنصار الشريعة" في مقابلة في 2012 أن الجماعة "تعلمت درس العراق" وتركز على "القلوب والعقول" في حملتها.

وتشير حالتي العراق والجزائر إلى أن أحد الدوافع وراء إنشاء الدولة الإسلامية لنظام قضائي دقيق تكمن في الحفاظ على الإنضباط والتماسك داخل صفوفها ومنع وقوع ذلك النوع من العنف العشوائي الذي قوض الدعم الشعبي لحركات إسلامية أخرى.

حركات التمرد تكون أكثر نجاحا عندما تضع آليات تنظيمية داخلية تضمان أن العنف - مهما كان مدقعا ووحشيا - سيستخدم فقط وفقا لقواعد وإجرائات محددة, والدولة الإسلامية تعتبر مثالا واضحا لهذه الظاهرة. القيام بتضمين المحكمين (الشرعيين) جنبا إلى جنب مع المقاتلين تجسد هذا النوع من الآلية التأديبية التي تخلقها الدول لتبرير وشرعنة إحتكارها المطلق للقوة.

-الإنضباط والتنشئة الإجتماعية:

إلى جانب شرعنة العنف قامت الدول تاريخيا بإستخدام القانون كآداة لـحفظ الإنضباط وتوطيد التنشئة الإجتماعية بين مواطنيها.
"أنتونيو جرامشي Antonio Gramsci " عرف المحاكم بجانب المدارس كأهم أداتين في بناء الدولة, مستشهدا بدور "المدرسة كوسيلة تعليم إيجابية و المحاكم كوسيلة تعليمية سلبية وقمعية".

الدولة الإسلامية يبدو وأنها تستخدم المؤسسات القضائية والقانونية بنفس الطريقة للحفاظ على الإنضباط داخل صفوفها إضافة إلى التهيئة الإجتماعية للمجتمع على النحو الذي تطمح أن يكون تحت حكمها.

هذا الفيديو الذي يظهر الشرطة الدينية للدولة الإسلامية "الحسبة" وهي تقوم بإعدام المئات من صناديق السجائر والمشروبات الكحولية والمخدرات وتقوم بإشعال النيران فيها يبدو وأنه مثال واضح للوظيفة الإنضباطية للتشريع القانوني الجهادي.

الدولة الإسلامية أيضا تستخدم القانون لضبط سلوك قادتها ومقاتليها. على سبيل المثال في أكتوبر الماضي قامت الدولة الإسلامية بإعدام إثنين من مقاتليها عقب محاكمتهم بتهم اللصوصية والتجسس والإختلاس. وفي الشهر نفسه أعدمت إثنين من قضاتها يحملون الجنسية الكويتية على خلفية إتهامات بالتجسس. الأمثلة السابقة توضح كيف تستخدم الدولة الإسلامية القانون للحفاظ على الإنضباط والطاعة داخل صفوفها.

-العقود:

وسيلة أخرى يساعد بها القانون على عملية بناء الدولة ألا وهي إتاحة المجال لإنفاذ العقود الضرورية لتنظيم العلاقات الإجتماعية والإقتصادية, لا يشمل ذلك الإتفاقات الملموسة فيما يتعلق بتبادل الممتلكات أو المال وحسب، ولكن يتضمن أيضا "العقود الإجتماعية" المجردة التي توفر أساسا للحقوق والإلتزامات المتبادلة بين الحكام والمواطنين .

ويؤكد بيان "أنتوني جيدينز" لإنشاء الدولة على أهمية وجود " كيان قانوني مركزي يحمي ويسمح بوجود مجموعة متوسعة من الحقوق والإلتزامات التعاقدية ".
الدولة الإسلامية تبدو وأنها تستخدم العقود المكتوبة لتنظيم الأنشطة الإقتصادية والسياسية بطريقة مماثلة.

على سبيل المثال فالدولة الإسلامية تكتب وتوقع العقود التي تحكم عملية بيع النفط المهرب – وهي صناعة مربحة تدر ملايين الدولارات يوميا عن طريق السوق السوداء .

حقيقة أن الدولة تتكبد عناء إضفاء الطابع الرسمي على مبيعات النفط بعمل عقود مكتوبة تشير إلى أن الجماعة تحاول جاهدة لإضفاء الشرعية على أنشطتها أمام تباعها العالم.

حمزه عماد الدين

Read more posts by this author.

إشترك فى ترجمات استراتيجية مختارة

للحصول على آخر المقالات

أو اشترك بالخلاصات via RSS with Feedly!