ترجمات استراتيجية مختارة

ترجمات مقالات , أبحاث , تاريخية و عسكرية و استراتيجية .

مقالات : تشارلى ايبدو و نفاق أقلام الرصاص .




pencils
لقد كان ما إستفزنى حقاً هو رسم كركاتيرى رسمه الكاركاتير مارك نايت و دفعنى للخروج عن الحد .

حتى نكون منصفين , لم يكن هو المسؤول الوحيد بالكلية ربما كان جنون الحدث الذى طارده . كان بإمكانى تجاهل هذا الرسم الكاركاتيرى كنوع آخر من الدعاية السمجة التى تبثها مؤسسات مردوخ الإعلامية بجنون لتثير السخرية و الغباء بدلاً من الغضب . و لكن المحتوى هو كل شئ . و بعد أيام طوال من التفاخر بالحديث عن حرية التعبير و القيم المستنيرة للحضارة الغربية كان هذه الرسم الكاركاتيرى يكفى للإنفجار .

كان الرسم الكاركاتيرى يحتوى على شخصان مقعنان بأقنعة سوداء يحملون السلام كـإرهابيين عرب ( هل يوجد أى نوع آخر من العرب )* , تنهمر على رؤوسهم مطر يظهر كالقنابل , غير أن هذه ليست قنابل إنها أقلامن من الرصاص و أقلام من الحبر الجاف . هل إتضحت الرؤية بعد ؟ فالصورة تقول أن فى وجه العالم المتخلف و قيمة البدائية التى لاتزال تعيش العصور الوسطى و يعيش بلغة الإرهاب و السلاح يواجهها الغرب البطل المستنير سلاح من قيم حرية التعبير و الرأى .

إنه شئ مثير للإشمئزاز فى صحف العالم الغربية , و التى تمتلئ بالخداع و الأقلام المكسورة و التى تشحذ فقط لمواصلة القتال كأن تدعى أنها تقول أنها لن تتوقف عن محاربة الإرهاب و متابعة السخرية من الإسلام .
لقد تجاوزنا مرحلة أن ندعو هذا بالخراء , فالرسم الكاركاتيرى لنايت رسم الصورة كاملة و بوضوح , و لكن كل رسم يوضح صورة الحضارة الغربية تواجه الإسلاميين المتطرفين بالأفكار توضح مدى فقدان الذاكرة التاريخية و السياسية للغرب .

لا يوجد فرصة أفضل للواقع أن يقاطع هذا السرد السخيف .

لأكثر من عقد مضى و نصف دخلت الولايات المتحدة الأمريكية تقع فى صراعات عنيفة تختلف و معظم الأقطار الغربية و تورطت بنسبة عالية من العنف و التدمير ضد المجتمعات العربية و المسلمة بضراوة شديدة توازى الحروب المعاصرة .

لم تكن هذه أقلاماً و لا أقلام رصاص كأفكار التى تركت العراق و غزة و أفغانستان مقسمة مقطعة منهارة بمئات الألاف من القتلى و الضحايا من البشر . و لم يكن إثنى عشر شخصاً فقط بل مئات الألاف . كانوا جميعاً بقصص و حياة مع عائلاتهم , عشرات الملايين خسروا أصدقائهم , أقاربهم و أسرهم و شاهدوا أوطانهم تدك و تمزق و تنهار .
إلى ضحايا الإحتلال العسكرى , إلى البشر الذين فقدوا منازلهم فى صدمة الضربات العسكرية الجوية و القنابل إلى الذين ضاعت ملامح أجسادهم من الفوسفور الأبيض و اليورانيوم المخصب إلا آباء الأطفال الذين إختفوا فى سجن أبو غريب إلى كل هؤلاء : هل هناك شئ غير السخرية القاسية و التى صبغت حرب الحضارة الغربية لتحاربكم بالأقلام بدلاً عن " السيف " ؟ .
و حتى لا ننسى أو نتجاهل آخر نتائج الوحشية الغربية , فلنأخذ فى الحسبان قرناً أو أكثر من تاريخ الإستعمار الغربى و سياسة مستعمراته و التى قامت على الدم و السكاكين و التى تركت آثاراً مدمراً فى البيئات و المجتمعات العربية المستعمرة سابقاً و تركتهم يرزحون بين التخلف و الفقر و اليأس .
لنذكر أيضاً الحكم الوحشى و الهمجى لفرنسا عندما إستعمرت الجزائر و دورها فى قتل مئات الألاف من الجزائريين و دورها فى قتل ألاف من الفرنسيين - الجزائريين أنفسهم فى إطار سعيها لتحافظ على إمبراطوريتها فى مستعمرتها هناك . و تركها للفقر المدقع عشرات الالاف من المسلمين الجزائريين فى فرنسا فى جيتوهات مغلقة محاصرين و الذين تعود أصولهم للجزائر أيضاً .
إن تاريخ الغرب مع المجتمعات المسلمة كان تاريخاً ممتلئاً بالإستعمار و الإحتلال الإمبريالى و الإستعباد و الحرب الدموية و هذا التاريخ يصرخ بنفسه ضد ما يعرف بالقيم الغربية و التى تدعى أنها ترفض العنف و الإرهاب .
طبيعى أن القلم و الصحافة لعبت دوراً كبيراً أيضاً , فالأقلام وقعت على تقارير الوطنية و مواجهة الإرهاب و الفواتير الأخرى التى تتجاهل وحشية الشرطة و تحرشها بالمدنين و إنتهاك حقوق الإنسان و الحقوق المدنية للمواطنين . هذه الأقلام و التى تخضع لتحرير رؤساء الصفح و ملاكها و التى شحنت و لا تزال تشحن بنوبات من الهيستريا ضد المسلمين و التى تجعل الناس غرباء فى أوطانهم التى ولدوا و عاشوا بها . ظهرت هذه الأقلام كأنها لا تدافع عن حقوقها فقط بل كأنها تخدم المصالح العليا للقوة و سلاحها فقط .
بإعتبار هذا المضمون كافياً ليس فقط لفضح نفاق هؤلاء من يدعون حضارية الغرب المستنير ليدافعوا عن ما يسمونه بحرية الرأى , فإنه أيضاً يوضح و يفضح الإحتماليات و التنبؤ بالنتيجة المرعبة للحرب على الإرهاب . طبيعى فنحن لم و لن نعرف ماذا كان يدور فى عقول الرجال الثلاثة الذين فاجئوا العالم بوحشية الحادثة . و لكن حتى لا نلتزم بالتقليد التاريخى الطبيعى للحدث - الحالى و المقبل - لنحدد موضع هذه الأحداث فى سياقها الطبيعى و أسبابها .
إن الفكرة فى غضب المسلم العنيف للسخرية من أحد رموز عقيدتهم يمكن تقديره بشكل منفصل عن رؤية المسلمين للغرب و إحتلال الغرب التاريخى لبلدانهم لنعرف أن ما حدث كان نتيجة طبيعية لتراكم المشاعر و الخبرات لهذا الغرب و الأنظمة المستفزة التى تضطهدهم .
إن من العجيب فعلاً ليس هو حدوث هذه الحادثة و لكن أن هذه الحادثة لا تتكرر كثيراً بشكل معتاد . إنها رسالة غريبة لإنسانية المسلمين للعالم أن مجموعة صغيرة فقط هى التى تستجيب بهذا العنف نيابة عن معاشر جموع المسلمين .

فى الأيام المقبلة علينا أن نشهد أن المسرحية الماسخة المستهلكة المتعبة ستستمر لتلعب دورها الحيوى . سيتابع السياسيون الغربيون بعد إحصاء حيوى لتابعيهم مسيرتهم فى التفاخر والتباجح بحرية التعبير , و سيتابع قادة الدول الإسلامية الشجب و التنديد و أنهم لا علاقة لهم بالحدث . و سيضرب اليسار اليمين حتى نصل للمتعاطفين مع المسلمين المتعصبين لنصل حتى فى منع و إستهجان إستهداف صحفيين غربيين مهما إستهزأوا و إستفزوا مشاعر المسلمين حتى تنتهى هذه المسرحية البائسة أن الغربيين البيض هم الضحايا الحقيقين و ليس المسلمين كضحايا لهذه الدراما السياسية الإعلامية .
و فى الوقت الحالى فإن المسلمين فى الغرب ستتابع الحملة عليهم حتى يصبح سيرهم فى الطرقات خطراً عليهم بسبب التحريض المستمر عليهم , أليست أقلام الرصاص البيضاء الغربية هى التى يجب أن يخافوا منها ؟؟

حمزه عماد الدين

Read more posts by this author.

إشترك فى ترجمات استراتيجية مختارة

للحصول على آخر المقالات

أو اشترك بالخلاصات via RSS with Feedly!