شركة الإخوان المسلمين : و الجشع المُبرر

بقلم : شهيد كنج بوليسن

لقد انهار كلا طرفي طيف الإسلام السياسي بشكل أو بأخر.و أصبح وجود الأحزاب السياسية الإسلامية المعتدلة وتأثيرها في تراجع حاد، خاصة منذ سقوط رئاسة مرسي في مصر والانقلاب الذي قضى عليها. وأما بالنسبة للزوال الإقليمي لداعش، وتبخر مشروعهم السياسي الوهمي، فقد أصبح هذا الأمر يجسد عدم أهمية إيديولوجية الإسلام السياسي في العالم الإسلامي.

وهذا لا يعني أن الإسلاميين قد تخلوا عن طموحاتهم في السلطة، بل على العكس من ذلك، لقد أصبحوا بنفس الجوع والنهم للسلطة كما كانوا بل وأكثر من أي وقت مضى، ولكن الأمر لا يتجلى في الرغبة في المواقف السياسية بقدر ما يتجلى في الرغبة في تجميع الثروة وتشكيل الكيانات التجارية المربحة في جميع أنحاء العالم.

و هذا بالطبع ليس توجها جديدا تماما بالنسبة لهم، فعندما كان الإخوان المسلمون في السلطة في مصر لفترة وجيزة، أثبتوا بوضوح أن رضا المستثمرين الأجانب كان على رأس أولوياتهم. وقد قامت بالفعل مجموعة من المسؤولين الحكوميين ورجال الأعمال الأمريكيين بزيارة مصر في ذلك الوقت، ووصفوا الإخوان بأنه ﻻ فرق بينهم وبين الحزب الجمهوري الأمريكي (الذي يعتبر تاريخيا حزب الأعمال الكبرى). ووافق مرسي من حيث المبدأ على مطالب صندوق النقد الدولي، التي صممت جميعها بصورة عامة لصالح الشركات المتعددة الجنسيات، والإضرار الشديد بالسكان. وكل ما فعله مرسي هو أنه طالب فقط بجدولا زمنيا أطول لإجراء الإصﻻحات التي طالب بها صندوق النقد الدولي.

ويبدو أن الإخوان قد أخذوا نصيحتهم من حزب العدالة والتنمية لرجب طيب أردوغان، أو ربما تعلموا من الجهود المشتتة للناشطين في مصر ضد صندوق النقد الدولي وهيمنة المستثمرين الأجانب؛ أن الدرس الحقيق هو أن القوة الحقيقية تقع في القطاع الخاص. وهذا الإدراك، بطبيعة الحال، يجعل جدول الأعمال السياسي الإسلامي يتعارض حتما مع المصالح التجارية الخاصة لأعضاء الحزب. وكان ذلك أكثر وضوحا عندما صمت الإخوان المسلمون في مصر صمتا يصم الأذان أمام اتفاق قرض صندوق النقد الدولي البالغ 12 مليار دولار (وهو أكبر قرض قدمته المؤسسة إلى دولة شرق أوسطية)، مما سلم السيادة الاقتصادية لمصر إلى كريستين لاغارد وخلفائها للسنوات العشرون المقبلة. ومعها تم تسليم السياسة المالية للبلد، وبرنامج الميزانية، والضوابط المالية، وكل شيء من ثمن الدواء إلى نظام الضرائب، كل هذا ذهب إلى صندوق النقد الدولي، وكل هذا دون كلمة احتجاج واحدة من المعارضة "الإسلامية"، على الرغم من أن إصلاحات صندوق النقد الدولي سيكون لها، بل ولها بالفعل، تأثير مدمر على الحياة الاقتصادية للرجل المصري المتوسط.

ولكن، كما ترون، لم يعد الإخوان المسلمون فقط رأسماليون بكفاءة، ولكنهم انضموا إلى صفوف النيوليبراليين. وﻻ شك أنهم يعتقدون أن هذا سيزيد من ثرائهم المالي كمنظمة، وأن مع الثروة الجديدة سيأتي النفوذ السياسي الأكبر. ولكن التناقض ﻻ شك واضحا كجلاء الشمس!! فهم يقولون لأنفسهم إنهم سوف يكونون قادرين على خدمة الأجندة الإسلامية على المدى الطويل، من خلال التضحية بها على المدى القصير من أجل كسب المزيد من المال. وهذا لا يختلف عن استراتيجيتهم السابقة المتمثلة في خدمة الأجندة الإسلامية على المدى الطويل من خلال التضحية بها على المدى القصير من أجل التسلل إلى أعلى هرم السلطة.

ومن مقرهم في تركيا، نراهم يبنون بهدوء كياناتهم التجارية العالمية، وخاصة في القطاع العقاري، ويستمرون في تمويل مشاريع للتربح الخاص من خلال المساهمات المالية في العديد من الجمعيات الخيرية التي يساهم فيها المتحمسون للدين، والسذج، من المؤمنين بشعار الإخوان المعلن أن "الإسلام هو الحل".

لقد أصبح موقفهم السياسي، وإعلاناتهم المستمرة حول الإسلام السياسي، ﻻ شيء إﻻ مجرد إعلانات دعائية ، أي مجرد وسيلة لبيع العلامة التجارية للإخوان، للحفاظ على الإيرادات المتدفقة لدعم طموحات مشاريعهم الخاصة. جشعهم، فكما ترون هو جشع مُبرر صالح ومستقيم، لأن لديهم خطط مستقبلية عالية الفكر لكيفية استخدام القوة الاقتصادية الوليدة. ولا يحق لأحد الحكم على أفعالهم الأقل من المثالية بسبب نواياهم المثالية. لذلك فهم عندما يدعون إلى "التصعيد" في مصر، وهم يعرفون جيدا أن هذا لن يؤدي إلا إلى قتل أو اعتقال عدد ﻻ يعمله إﻻ الله من الشباب، فهذا سيكون شيئاً جيداً لأنه يعزز علامتهم التجارية،فلو نجحت هذه العلامة التجارية ، فالجميع سيفوز في النهاية. ومع ذلك، ليس هناك أي ضمان إن كنا نحن أو نواياهم سنصمد أبعد من هذا.

الآن أكثر من أي وقت مضى، أصبح يتحتم على الإخوان المسلمين أن يصبحوا شفافين تماما حول مواردهم المالية. من أين تأتي أموالهم، وأين تنفق؟ من يتربح منها، وكم؟ أم أننا يجب أن نعتقد أن مصالحهم التجارية الخاصة لا تؤثر على بياناتهم العامة (أو صمتهم)، ولا على أهدافهم السياسية؟؟ ولماذا علينا أن نعتقد بصحة هذا، أفقط ﻵنهم يطلبون منا أن نصدقهم؟

المصدر