ترجمات استراتيجية مختارة

ترجمات مقالات , أبحاث , تاريخية و عسكرية و استراتيجية .

لماذا لا تستطيع أمريكا هزيمة الدولة الإسلامية ؟




تغير الشرق الأوسط بشكل درامى عنيف فى السنوات القليلة الماضية , فربيع الثورات العربية لم يفضح فقط أسطورة الدعم الأمريكى للديموقراطية  و التعددية السياسية  فى الشرق الأوسط  و الدول العربية , و لكن علاوة على ذلك  فقد فضح التحالفات و العلاقة الغير مباشرة بين أمريكا و النظم الديكتاتورية الطاغية فى المنطقة خصوصاً التآمر لإيقاف عمليات الإنتقال الديموقراطى كما حدث فى بلاد الثورات العربية كما حدث فى مصر . فولايات الإمارات المتحدة  و المملكة السعودية العربية  و الكويت  و البحرين , صاروا يعدون  كأصدقاء لأمريكا  و شركائها  فى المنطقة , و تآمروا بالنيابة عنها ضد الإنتقال المصرى للديموقراطية بعد الثورة المصرية  و عطلوا العملية السياسية برمتها  .  لقد ساعدوا و دعموا الحراك العسكرى فى  مصر ضد الديموقراطية و الإستثار بالسلطة و للسيطرة على الدولة مرة أخرى . مرسى و الذى يعد أول رئيس منتخب لم يكن مفضلاً أبداً فى البيت الأبيض , بينما تابع سياسيو النظم الديكتاتورية زيارة أمريكا و البيت الأبيض  بصفة  دورية . لذا  فالسنة العرب لم يعودوا يصدقون أى وعد من وعدود أمريكا  أو يثقون بها كما كانت تخدهم من قبل .

إنعدام الثقة الذى تفشى بين العرب السنة و أمريكا , و تحديداً فى العراق , لا يمكن إصلاحه بسهولة ,  فقد حدث فى الحقيقة  أن أوجدت أمريكا بعض  القبائل العربية السنية  و الصور السياسية  لتمثيل العرب السنة فى العراق فى محاولة لمواجة  نفوذ الدولة الإسلامية المتنامى  و الذى لا يمكن مقارنته بما فعلته أمريكا فى سنة 2006 و 2007  , عندما قام مجلس صحوات العراق بإنقاذ أمريكا  و جنودها من جحيم  هجمات القاعدة  بالعراق الذى إستنزف الألاف من جنود أمريكا  .  و فى مقابل هذا الدعم تركتهم أمريكا ليواجهوا غضبة الحكومة شيعية و المليشيات الشيعية الطائفية المتطرفة  المدعومة من إيران .  طارق الهاشمى ,  رئيس وزراء العراق السابق و الذى كان شخصية سياسية كبيرة بين السنة لتشكيل الصحوات التى حمت أمريكا و دافعت عنها ,  تم إتهامه بالإرهاب من قبل محكمة عراقية أٌتهمت هى أيضاً بالفساد  و إضطر للهرب من العراق بسبب تهديدات المالكى - الشيعى -  رئيس وزراء العراق الذى  لحقه  فى منصبه . طارق الهاشمى و الذى إستجاب لدعوات أوباما  و دعمه بالصحوات لحماية الجيش الأمريكى بالعراق كان غاضباً جداً من تجاهل أمريكا  له  و صمت أوباما تجاه محنته  فهرب لاحقاً إلى تركيا كلاجئ سياسي .

 

[caption id="attachment_433" align="aligncenter" width="600"]لماذا لا تستطيع أمريكا هزيمة الدولة الإسلامية ؟ لماذا لا تستطيع أمريكا هزيمة الدولة الإسلامية ؟[/caption]

 

لقد أحس السنة فى العراق بألم كبير بعد أن أغمضت أمريكا عينها عن العنف الوحشى الطائفى الذى مارسته المليشيات الشيعية  ضدهم  و الذين تلقوا دعماً غير محدود من إيران , فتم خطف السنة , تهجيرهم , و تعذيبهم و سجنهم و إعدامهم , فى وضع كان يفترض فيه أن تظهر الديموقراطية و الحرية التى وعدت بها أمريكا ,  قد يبدو أن أمريكا لديها علاقات وطيدة مع السنة فى الشرق الأوسط و لكن هذه العلاقة جيدة جداً عندما تكون مع أنظمة الحكم السنية الطاغية التى تقهر شعوبها بلا أى دعم للشعوب السنية .  بل على العكس من ذلك لدى أمريكا علاقات جيدة للغاية مع المليشيات الشيعية فى العراق كمليشيا بدر الشيعية  و التى لها بعد شعبى  و تستهدف السنة فى مناطقها بالعراق .

لقد كانت أرضاً خصبة للدولة الإسلامية , لتعمل و تقوى و تنتشر و تتوسع , فالدولة الإسلامية التى بدأت كمجموعة من الجهاديين الذين يحاربون الإحتلال الأمريكى و السيطرة الشيعية على مناطقهم منذ سنة 2003 , و بالرغم من ذلك قرر قياديو المجموعة تسميتها كدولة بدلاً من دعوتها بالتنظيم , و قد كانت خطوة إستراتيجية منهجية  لأن التنظيمات قد تفكك أو تنهزم أو تُخترق ليُعاد توجيهها  أو يُطغى عليها و تُهدد أو تُهدم بتنظيمات أخرى ,  و علاوة على ذلك فقد آمنوا أن الجهاد سبيلهم لإنشاء دولة الخلافة الإسلامية ,  لقد أرادوا لتنظيمهم أن يتوسع بمفاهيمه ليرسى أساسيات إنشاء الدولة .

لقد أصبح معروفاً الآن للعالم كله أن الدولة الإسلامية لم تعد مجرد تنظيم بل أصبحت دولة مكتملة الأركان و لكن بحدود متغيرة مرنة تتغير حسب عملياتها ,  و بالرغم من ذلك فقد رسمت صورة مرعبة وحشية ثائرة قاسية للمجتمع العالمى بالخارج  .  و لكنها تمتلك نظام إدارياً مدنياً و مصادر إستراتيجية و ميزانية دول و خدمات عامة لمواطنيها  و نظاماً قانونياً للعدالة  و إعلاماً قوياً قادراً على إيصال رسائله محلياً و إقليمياً للعدو و المؤيد  و أنظمة إتصالات و فرقاً دفاعية  و هجومياً و إستراتيجيات حرب و سلام . و الأخطر أن  الدولة الإسلامية لا تعترف بالسلام الدائم  فهو ليس فى أيدلوجياتهم أو إستراتيجياتهم . الدولة الإسلامية لم تعد مجرد حركة متطرفة أو تنظيم إرهابى ,  إنها الآن مُكِون آيدلوجى سياسي تتحكم و تسيطر على أرض واسعة  و  تحكم عدداً كبيراً من البشر و لا تهتم أو تستمتع بالتقبل الدولى لها و لكنها تحظى بالقبول الشعبى فى مناطق السنة بالعراق . و علاوة على ذلك فالدولة الإسلامية لديها الآن فروع عدة تمتد فى ستة دول أخرى  تدين  لها بالولاء و الطاعة  لذا فقطع  الرأس فى العراق و سوريا لن يمنع أى من أطرافها الأخرى من مبايعة رأس جديد و متابعة المهمة حتى تنفيذ الهدف .

الدولة الإسلامية كدولة غير تقليدية بنيت على الطموح  و فكرة الثأر و القصاص و الإنتقام .  فطموحها هو الخلافة الإسلامية و سعيها للإنتقام  بسبب الحرب طويلة الأمد التى شُنت ضد المسلمين فى العالم . و فى هذا تتشارك مع ملايين المسلمين حول العالم فى حلم الخلافة  الذى حولته لواقع  ,  و العنف الذى يحدث للمسلمين فى أنحاء العالم المختلفة أثر عليهم جميعاً . فالدولة الإسلامية تقدم نفسها كدولة لكل المسلمين حيث لا يمكن إهانتهم أو إذلالهم أو يلقون المعاناة و الإضطهاد  فى أوطانهم .  فهى تَعدٌ بإنتهاء الذل و المعانة للمسلمين حول العالم  و لتحريرهم من أنظمتهم و تحرير أراضيهم .

القدرات العسكرية  للدولة الإسلامية ,  محدودة للغاية , وفهى حتى الآن لا يمكنها بعد حماية سمائها من الغارات الجوية سواءاً التى يقوم بها نظام الأسد السورى أو التحالف الدولى ضدها . و لكن الدولة الإسلامية تمتلك أفضل الإستراتيجيات العسكرية للسيطرة على الأرض و هزيمة الخصم " العمليات الإستشهادية " .  فمقاتليها الذين أتوا من بقاع العالم المختلفة ممتلئون بالحماس  و الغيرة العنيفة  و الثأر و مشحونين بالرغبة فى المواجهة حتى الموت . فهم يقولون أنهم إنضموا للدولة الإسلامية لتحالفها مع الله و لحمايتها للإسلام و ليس للتجارة و الرفاهية . فهم يفضلون الشهادة - الموت - عن الحياة , و بالفعل إرتحل الألاف منهم مع أهليهم و أسرهم من كل بقاع العالم لينضموا للدولة الإسلامية . الضربات الجوية قد تسبب الكثير من الأضرار و الدمار للدولة الإسلامية  ,  نعم هذ صحيح و لكن بدون حرب على الأرض لا يمكن حسم المعركة مع الدولة الإسلامية و لا يمكن تحقيق هدف القضاء عليها .

علينا فهم المشكلة المستعصية التى دفعت أمريكا لتغيير سياستها طويلة الأمد التى إتبعتها ضد إيران .  و هذا يفسر حماس أمريكا للوصول لإتفاق مع إيران بخصوص العراق بعد إنهاء أزمة السلاح النووى الإيرانى . تخطيط الأمريكان لتدريب قوات سورية لمواجهة الدولة الإسلامية لم ينجح لأن المقاتلين السوريين المحسوبين على المعارضة  يفتقرون  للأيدلوجيا العقائدية  لأداء مهمتهم المؤقته فى مواجهة الدولة الإسلامية  .  أمريكا تريد إستثمار الصراع الطائفى السنى - الشيعى فى حربها ضد الدولة الإسلامية  و إنهاء إتفاق رسمى سياسى مع إيران فى محاولة لأن يتدخلوا بشكل رسمى فى المواجهات ضد الدولة الإسلامية تحت رعاية أمريكية ,  بينما تدعم أمريكا الجماعات الكردية لحرب الدولة الإسلامية , هذه الجماعات الكردية التى تحركها النزعة القومية لبناء وطن قومى للأكراد . إيران قامت بالفعل بإرسال 30 ألف جندياً للعراق لحرب الدولة الإسلامية بالإضافة إلى المئات من القوات الخاصة الإيرانية المعروفة بإسم الحرس الثورى الإيرانى  .  و لكن تأثير إتفاق رسمى بين إيران  و أمريكا سينتج عنه علاقات متردية لأمريكا مع الأنظمة السنية الديكتاتورية بالمنطقة العربية خارج و داخل العراق  ,  و الذين يعارضون تدخلات إيران فى المنطقة خصوصاً بالعراق .

فى الوقت الراهن تتمتع  قيادات الدولة الإسلامية بولاء  كبار العشائر العربية السنية فى العراق و سوريا  ,  و حقول النفط التى سيطرت الدولة الإسلامية عليها  تلعب دوراً مهماً فى هذه العلاقة ,  فالدولة الإسلامية تعطى العشائر العربية حصصاً من عائد إنتاج النفط فى مناطقها و عائد النفط يوفر للدولة الإسلامية مصدر دخل غنى  لتأمين الخدمات العامة لمواطنيها  و مصاريف الحرب . و لكن العامل الرئيسى الذى يتحكم فى شكل قوة الدولة الإسلامية هو نموذجها القيادى فى الحكم و السيطرة , و الذى يجعل من محاولة إختراقها  أو إستغلالها شئ مستبعد , فأنويتها القيادية  قوية  و متماسكة للغاية و مختلفة تماماً عن ما كان عليه نظام صدام حسين الهش .

فيما لا تستطيع أمريكا الإنتصار على الدولة الإسلامية فإن إمكانية أن تتفاوض معها مستبعدة  .  فلا يوجد أرضية مشتركة للحوار أو التفاوض  ,  و فى الوقت الحالى لا يمكن لأمريكا أيضاً تجاهل تعاظم و تمدد الدولة الإسلامية الخطر فى المنطقة . و هذه واحدة من كبار الأزمات المستعصية التى واجهتها  الولايات المتحدة فى هذا العصر

.

 

النص الإنجليزى

*بقلم : د . منذر عيد الزملكانى  .. *

أستاذ العلوم السياسية و التاريخية  فى المملكة المتحدة .

دكتوراه  في العلاقات الدولية من جامعة سانت أندروز البريطانية له  مجموعة من الكتابات حول ثورات الربيع العربي والمواقف الدولية تجاهها وسياسات الشرق الأوسط

حمزه عماد الدين

Read more posts by this author.

إشترك فى ترجمات استراتيجية مختارة

للحصول على آخر المقالات

أو اشترك بالخلاصات via RSS with Feedly!