قبل مجئ المستعمر المدمر لبلادنا الإسلامية لم نسمع يوماً كلمات مثل القومية و تهافتات مثل “ أنت سورى , أنت مصرى , أنت عراقى , أنت ليبى “ و فى أحلك أوقات التشرذم التاريخية للأمة الإسلامية كانت الحدود القومية مسألة ميتة , فالقوميات المسلمة تحت سلطان الدول المسلمة لم تتغلف بحدود و لم تطالب بأوطان لها , فالبربر لم يطالبوا بوطن بربرى منذ دخلوا فى الإسلام و كذلك الأفارقة الزنوج المسلمون فى العديد من الدول الأفريقية التى وقعت تحت سلطان المسلمين , كانت الحدود بين الدول أو الدويلات الإسلامية المتشرذمة فى أشد فترات التاريخ الإسلامى قتامة حدوداً ديناميكية متغيرة تتغير تبعاً للحروب و المعارك و لا تتغير تبعاً للحدود القومية , فالدويلات الإسلامية نفسها لم تكن “ قومية “ حتى و إن حاول مرتزقة المستشرقين و إذنابهم من أشباه العرب المستغربين إيهام المسلمين بهذا .

ما القومية من صنعها و من زكاها و من أجج لهيبها و نشر طاعونها فى بلادنا المسلمة , من جعل القومية المسمومة ديناً للعوام و الطوام و عصبية للجهلة و التائهين و عقيدة للبغاة , من رسمها لتكون غطاءاً للأنظمة التى تنتهك حريات رعاياها و تعذب شعوبها و تسحق كرامتهم لكأنما هى إمتداد للإستعمار البغيض الذى إختفى و رحل بدون قتال ليترك لنا هؤلاء ؟

الأنظمة القومية التى رسخت مفاهيم القومية فى العقول و النفوس و رسمت حدودها فى بواطن التفكير لتصنع العنصرية القاتلة بين الشعوب المسلمة على اللاشئ , تعلم جيداً أنها القومية هى ما يمكنها من رقاب هذه الشعوب و يسير لها مهمتها فى السيطرة عليهم و شحنهم و تصدير عدو قومى لهم , فمن السهل تصدير عدو قومى عن تصدير عدو دينى فسيدهم فى الغرب لا يريد تصدير العدو الدينى فقد يفيق البعض , و العدو القومى بالنسبة لهم مأمن من العواقب و دعم للنظام القومى .

الحدود القومية و التى خطتها أقلام المجحومين سايكس و بيكو ثم نفذتها سكاكين و رصاص الجيوش الإنجليزية و الفرنسية و الطليانية و الروسية , هى أحد أسلحة القومية المسمومة الفتاكة فهى التى تحافظ على تشتت المسلمين فى زرائب دول غنائم الحرب و تضع حرج مقاومة أنظمة الإستعمار الخفى “ الإستعمار الوطنى “ كمرحلة إستعمار ما بعد الإستعمار الغربى , فالمقاوم للإستعمار الوطنى حينها إن إدرك وقوع بلده تحت وطأة إستعمار بشكل مغاير سيصدره حينها النظام المستعمر الوطنى كخائن للوطن .

من الأجدى بنا تسمية الإستعمار الوطنى باسم آخر و هو “ الإستحمار الوطنى “ فلم يكن هناك ما هو افضل من صناعة عملاء الإستعمار الغربى لبلادنا سادة و حكاماً كنظام يرعى مصالح المستعمر الغربى الراحل ليدير غنيمته و أغنامه من وراء الحدود عبر عملائه , فالإستعمار الوطنى هو الأقل كلفة و الأسهل فى الإدارة و الأسلس فى خداع قطعان العوام و زرافاتهم و لكنه أيضاً الأنجع فى دس مفاهيم المستعمر لتمرر للشعوب النائمة التائهه العاجزة عن إدارك الواقع و التى سلمت رقابها للمستعمر الوطنى تحت مسميات عدة .

هذا المستعمر الوطنى و الذى تم تصدير لا ليتحكم و يسيطر فقط و لكن ليدير , ليس إلا مجرد كلب الحظيرة أو مجرد راعى قاتل مجرم و سارق ناهب للأرواح و الثروات و الحياة و قامع للحريات و الدين يرعى الزريبة لحساب المستعمر الغربى و الذى لم يرحل يوماً ليعود فقد ترك خلفاءاً له يكفونه مؤونة الحرب و إشعال جذوة الجهاد و يدسون السموم فى الشعوب المخدرة إجتماعياً و سلوكياً و نفسياً و الأهم عقائدياً ليضمن عدم تقدم هذه الشعوب و تفوقها و يأمن إستغلالها لثرواتها البشرية و المادية و قدراتها العقائدية المتفوقة علي المستعمر الغربى .

لكن هل ستنجح خطة لويس فى الإستمرار و تضمن له شعوباً نائمة و ميتة دائماً أم هل ستفشل ؟

ما لم يحسب له هؤلاء الحمقى أو حسبوا حسابه لكنه يحاولون شراء الوقت بصناعتهم للمستعمر الوطنى ليكون نائباً عنهم فى القتل و التشريد و الإغتصاب و التدمير , هو أن الإسلام كعقيدة حيوى و القرآن باق حتى قيام الساعة , و الإسلام إن خبت جذوته فهو لا ينطفئ و لا يقهر بل يعود و ينتشر فالعقيدة الحيوية للإسلام و البناء الذى أسس عليه يجعل من عملية تقبل المستعمر الوطنى نفسه عملية صعبة على النفس و لهذا يعمل المستعمر الوطنى و إذنابه و من خلفهم على تشويه الفطرة لأنها تقود لإعادة إكتشاف العقيدة و إستكشاف ما فقد و تحديد أسباب الهوان . حيوية العقيدة هنا تكمن دائماً فى أنها تفضح الحرب عليها و أساليب أعدائها بدون الحاجة لتكاليف كثيرة و مع كل عملية من عمليات العدو ضدها يستيقظ المزيد و المزيد ممن تحييهم هذه الحرب المستعرة على الدين .

فى النهاية , يعلم الإستعمار الوطنى أن دوره الذى صنع لأجله هو فى حرب شعوبه إن فشل فى ترويضه فهو يدرك أن هذه الشعوب هى هدف أسياده و سحقها ضمان لأنظمته , و لكنها أيضاً يعلم أن دوره كنظام ليست فى حماية حدوده القومية بقدر ما هى حماية أسياده فى الغرب و الموت لأجلهم فالدور الذى أسست لأجله هذه الأنظمة كلها هى الحرب نيابة عن الغرب توفيراً للدماء الصليبية الزرقاء فهذا هو دور الأنظمة القومية و أنظمة الإستعمار الوطنى منذ تأسيسها مذ أكثر من مائة سنة .